light school
جديد الموقع
  تابع كتاب مواقيت الصلاة (5) / من باب ما يُصلى بعد العصر من الفوائت ونحوها، إلى باب: السمر في الفقه والخير بعد العشاء ..     التعليق على بعض أحاديث صحيح البخاري - عبد العزيز بن باز     تابع كتاب مواقيت الصلاة (6) / باب السمر مع الضيف والأهل، إلى باب: الأذان بعد الفجر من كتاب الأذان ..     التعليق على بعض أحاديث صحيح البخاري - عبد العزيز بن باز     تابع كتاب الأذان (2) / من باب: الأذان قبل الفجر، إلى باب: قول الرجل فاتتنا الصلاة     التعليق على بعض أحاديث صحيح البخاري - عبد العزيز بن باز     تابع كتاب الأذان (3) / من باب: لا يسعى إلى الصلاة وليأت بالسكينة والوقار، إلى باب: اثنان فما فوقهما جماعة من كتاب الجماعة والإمامة ..     التعليق على بعض أحاديث صحيح البخاري - عبد العزيز بن باز     تابع كتاب الجماعة والإمامة (2) / من باب: من جلس في المسجد ينتظر الصلاة، وفضل المساجد، إلى باب: أهل العلم والفضل أحق بالإمامة ..     التعليق على بعض أحاديث صحيح البخاري - عبد العزيز بن باز     تابع كتاب الجماعة والإمامة (3) : من باب من قام إلى جنب الإمام لعلة، إلى باب: إثم من رفع رأسه قبل الإمام ..     التعليق على بعض أحاديث صحيح البخاري - عبد العزيز بن باز     تابع كتاب الجماعة والإمامة (4) : من باب: إمامة العبد والمولى، إلى باب: إذا لم يتم الإمام وأتم من خلفه ..     التعليق على بعض أحاديث صحيح البخاري - عبد العزيز بن باز     تابع كتاب الجماعة والإمامة (5) : من باب هل يأخذ الإمام إذا شك بقول الناس، إلى باب: إذا قام الرجل عن يسار الإمام وحوله الإمام خلفه إلى يمينه تمت صلاته ..     التعليق على بعض أحاديث صحيح البخاري - عبد العزيز بن باز     تابع كتاب الجماعة والإمامة (6) / من باب المرأة وحدها تكون صفًّا، إلى باب إيجاب التكبير وافتتاح الصلاة من كتاب صفة الصلاة ..     التعليق على بعض أحاديث صحيح البخاري - عبد العزيز بن باز     تابع كتاب صفة الصلاة (3) / من باب: الالتفات في الصلاة، إلى باب: القراءة في العصر     التعليق على بعض أحاديث صحيح البخاري - عبد العزيز بن باز   

زوار الموقع

الاحصائيات
لهذا اليوم : 367
بالامس : 543
لهذا الأسبوع : 2821
لهذا الشهر : 27507
لهذه السنة : 54631
منذ البدء : 55865
تاريخ بدء الإحصائيات : 5-5-2014

المادة

أمر ملكي

 عاصم محمد الخضيري

عناصر الخطبة 1/ كل من عليها فان 2/ لا دوام إلا لملك الملوك 3/ تأملات ومقارنات بين أوامر ملوك الدنيا وأوامر ملك الملوك سبحانه 4/ مساوئ الانشغال بالدنيا والغفلة عن الآخرة 5/ النعم موصولة بالشكر 6/ كفران النعمة مؤذن بزوالها 7/ الظلم ظلمات يوم القيامة 8/ تأملات في نهاية بعض الظالمين 9/ ظلم الناس أشنع جريمة.

*******

الخطبة الأولى:

الحمد لله يضع ويرفع، ويعطي ويمنع، ويصل ويقطع، الحمد له،

هذي الخرادل ليس يخفى كُنهُها *** عمَّن لصوت النمل ليلا يسمع

سبحانه، سكنات هذا الكونِ ساجدة*** وخاضعة له وبكل ذل تركع

سبحانه، في ذرة أو رملة *** ملكوته فيها يهيم ويخضع !!

سبحانه، علم أحاط بكل شيء*** كائن لا يعزبنْ عن علم ربي موضع !

أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، له أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبدُ الله ورسوله خير من وطئ الحصى من كل إنس ناطق أو جان،

هو أحمد البركات ليس كمثله *** في الأنبياء وفي الخليقة ثان

صلى السهى صلى الضحى ***صلى العلا لك يا نبي الله والثقلان

صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

لا تبيتنّ إلا خالي البال؛ كم بين غمضة عين وانتباهتها يبدِّل الله من حال إلى حال..

أملاكٌ تحول، ومناصبٌ تزول، ودول تدول، وتلك الأيام يداولها الله..

كراسي ملأى بأصحابها، ومناصب سكرى بروادها، دلُّوا بها يومًا من الدهر فدال الله دولته:

فزالوا كأن لم يملؤوهن ليلة *** وأمرك يا ألله: كُنْ فيكونُ

تتقلب الأحوال لتقول لكل أحد: (هنا أمر ملكي) ألا بقاء لأحد، وسيبقى ملك الملوك، وأما أنت أيها الفاني، فسيعزلوك ويقيلوك، والعازل المولي: مَلِكُ الملوك.

ويا ملك الملوك أقل عثاري *** فأنت الدائم الباقي المميت

ليس هاهنا ضمانة بالبقاء، فالبقاء لرب البقاء: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ)[القصص: 88]، وليس هاهنا ختمٌ أزلي

فما أحد على الدنيا بباق ولا مُلْكٌ يدومُ وكبرياء،

ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام،

أعزةٌ ما طاف بهم المساء إلا وقد كُتبوا في سجلات الأذلاء،

ورجال تصبحوا أذلاء، فانقلبوا بأمر الله..

والناس ترمق أمر الله في عجب*** وما بأمر إله الكون من عجب!

الناس قالت وربي قال، فانقشعت *** بقولة الناس أرياح من اللهب

صَعِدَ رسول الهدى عليه السلامُ المِنْبَرَ يوما فَقَالَ: «يَأْخُذُ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ بِيَدَيْهِ، فَيَقُولُ: أَنَا اللهُ -وَيَقْبِضُ أَصَابِعَهُ وَيَبْسُطُهَا- أَنَا الْمَلِكُ، أنا الملك" قَالَ ابْنُ عُمَرَ: "حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى المِنْبَرِ يَتَحَرَّكُ مِنْ أَسْفَلِ شَيْءٍ مِنْهُ، حَتَّى إِنِّي لَأَقُولُ: أَسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟"، وَذَلِكَ مِنْ تَعْظِيمِهِ لله تَعَالَى، وَفِي رِوَايَةٍ: «ثُمَّ يَقُولُ سُبْحَانَهُ: أَنَا اللهُ أنا الرَّحْمَنُ، أَنَا المَلِكُ، أَنَا الْقُدُّوسُ، أَنَا المُؤْمِنُ، أَنَا المُهَيْمِنُ، أَنَا الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ، أَنَا الْمُتَكَبِّرُ، أَنَا الَّذِي بَدَأْتُ الدُّنْيَا وَلَمْ تَكُ شَيْئًا، أَنَا الَّذِي أُعِيدُهَا، أَيْنَ المُلُوكُ؟ أَيْنَ الْجَبَابِرَةُ».

رسالة تتحدى كل ماشٍ على الثرى، كل غافٍ به الكرى، كلُّنا نحو ربنا آفلون بلا مرا

رسالة تتحدى: ما من أحد إلا الأحد الله الصمد

رسالة تتحدث إلينا وتقول: ما يغتر بدوام الحال إِلاَّ مَغْرُورٌ، تبدلت العروش ومن عليها وأصبح سادنوها حرف كانا

تغيرت المقامات، فيا لله ما قدرناك قدرك وما أعظمناك حق عظمتك!

وما أكبرناك حق كبريائك!

لا تعجبن لما وقع*** عقبى النزول المرتفع

الله يخفض ما رفع*** والله يعلي ما وضع !!

يا مالك الملك (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران: 26].

من بات بعدك في ملك يسر به *** فإنما بات بالأحلام مغرورا

يأتي الأمر من السماء، بقسمة أهل الأرض، ولو اجتمع أهل الأرض كلهم على أن يمنعوا أمرا كان مفعولا، ما منعوه، ولو اجتمعوا على أن يسلبوا رجلا قِسْمَته أو يجردوه، ما فعلوه، فذرهم وما يفترون!

عبر هذه الأحداث، وخذوا منها العبر:

- يسهرون على الأحداث، وترى بعضهم لا يأخذ الكرى من جفنه إلا مقدارَ نقرات الطير، وَلُوع بما عند الناس، ورجاءٌ لما في أيديهم والله أحق أن يرجُوْه..

تسمُّر على الشاشات، وانتظار للعطيات، وتأمل في قسمة الله، وتدبر عجائب ملكه وتدبيره..(أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)[الزخرف: 32].

ورحمة الله خير مما يجمع الناس، ومما تؤمله البشر، ومما تنتظره الملايين من الأعناق المشرئبة،

عبر هذه الأحداث:

أوامر ملكية، والله ينفح كل ليلة بأوامره, (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) [الرحمن: 29].

أوامر ملكية!!

ورب العزة ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: "من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له

وفي رواية أن رب العزة يقول حين يمضي ثلث الليل الأول: "أنا الملك أنا الملك، ثم يبسط يديه تبارك وتعالى فيقول: من يقرض غير عدوم ولا ظلوم"؟! فلا يزال كذلك حتى يضيءَ الفجر!

فأطيلوا النفحات أو اقصروها، فإنما ترجون ربا إذا أعطى لم يحرم أبدا، وإذا أسدى لم يبخل أبدا،

تغيض الأعطيات، وأعطيات الله تملأُ الملكوت!!

كلُّ يوم أمر ملكي يمضيه رب العزة،

و"يَمِينُ اللَّهِ مَلأَى لا تغيضها نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ؟! فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ ولَمْ يُنْقِصْ مِمَّا فِي يَمِينِهِ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَبِيَدِهِ الأُخْرَى الْقَبْضُ يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ".

عبر هذه الأحداث...

ملايين من الأجساد تكدست ترقب ما يستجد، وآلاف من الأعناق لم تتطاول إلا لتبلغ خبر دنياها،

يتحفزون لقسمة أهل الأرض، كيف بهم، إذا نُودي على قسمة السماوات؟! كيف بهم والسجلات مطويات وهي تُنشرُ النشور الأخير؟!

كيف بهم، والأوامر تترى في ذلك الموقف الكبير؟!

كيف بهم وقد نُودي على كل أحد يوم البرزخ: فلانَ بن فلان، "هذا مقعدك الَّذِي كَانَ لَكَ مِنَ النَّارِ قَدْ أَنْجَاكَ اللَّهُ مِنْهُ، وَأَبْدَلَكَ بِمَقْعَدِكَ الَّذِي تَرَى مِنَ النَّارِ مَقْعَدُكَ الَّذِي تَرَى مِنَ الْجَنَّةِ فَيَرَاهُمَا كِلاهُمَا، فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: دَعُونِي أُبَشِّرُ أَهْلِي، فَيُقَالُ لا: اسْكُنْ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ فَيَقْعُدُ إِذَا تَوَلَّى عَنْهُ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ ؟ فَيَقُولُ: لا أَدْرِي أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقَالُ لَهُ: لا دَرَيْتَ، هَذَا مَقْعَدُكَ الَّذِي كَانَ لَكَ مِنَ الْجَنَّةَ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ مَكَانَهُ مَقْعَدَكَ مِنَ النَّارِ".

أمر ملكي، يُذهب به إلى الجنة، أو يُؤمر به فيلقى على وجهه في النار..

هما أمران في نار تلظى أو الجنات، ينعم بالخلود

وكل امرئ بما كسب رهين وقسمة الكتب عن اليمين والشمائل.

عبر هذه الأحداث:

يتأففون على أوامر أبطأت بضع لحظات؟

ليتهم خبأوا هذه التأففات ليوم العرض الأكبر

خمسون ألف سنة مقدار اليوم الواحد فحسب!!

والكلمة الأبجدية الشائعة في ذلك الموقف: نفسي نفسي، وأما دعاء الرسل يومئذ، فاللهم سلم سلم!!

والله إني -أيها الكرام- أقولها وبكل صدق: إنا لنستحي من الله أن يكون قدرنا من هذه الأحداث هو الغفلة عن ذلك الموقف الطويل.

يفزعنا الحديث عن ذاك؛ لأنا نجدُ أن حوادث التبرؤ من الأنبياء -عليهم السلام- ليست عاديَّة!! وهم يقولون: اللهم سلّم سلم، نفسي نفسي.

أن يقول كل نبي من الأنبياء في وجه تلك الجموع التي تشيعه من خلفها: نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى فلان!!

ولو أن النفوس مُكِّنت يوم العرض الأكبر أن تتبرأ من جلودها وأعضائها وقلوبها لفعلت، حتى تستريح!!

كيف السبيل يومئذ؟! والطريق عسير، كيف ماذا وذا الطريق مهيب؟!

كيف يمكن لي أن نتخيل؟! وهذه الجموع قد تدافعت تستفزع الأنبياء والرسل واحدا واحدا، أن تسأل ربها الفصل والقضاء، أيها الأنبياء: "اشفعوا لنا إلى ربكم، ألا ترون ما نحن فيه، ألا ترون ما قد بلغنا؟! وكل واحد من الأنبياء، يقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله ولم يغضب بعده مثله!! نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى فلان".

أين الجبابرة الأكاسرة الألى*** أين الملوك، وأينَ أينَ همُ همُ !

صغروا أما العزة الكبرى التي هي *** وصفك القدسي، ووصفك أعظم!

ساخوا جميعا، يا إلهي لم يفت *** منهم، ومن يدك العلية مجرم!!

من هؤلاء إذا أتوك؟! جميعُهم *** لم يبق إلا أنت، وحدك يحكم!!

(كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [القصص: 88].

أستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد: "النعمة موصولة بالشكر والشكر متعلق بالمزيد، ولن ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من العبد" (التوقيع: علي بن أبي طالب).

قيدوا نعم الله بالشكر، فضمانة الأحداث ليست إلينا،

وإن الله وقد أنعم علينا بسابغات نعمه، لم يجعل نسبا موصولا لإبقائها إلا بشكرها

قيدوا النعمة بالشكران، وإن شئتم فحلُّوها وأزيلوها، بالكفران وبالطغيان، وبالنسيان، وبالعصيان، وبالنكران..

قيدوها بشكر الله ! فإن الله قد ضرب الأمثلة، على الكافرين بنعمه، فخسف الله بهم، كأن لم يكونوا في الأرض يوما..

قيدوا نعمة الشكور فربي محسن مؤمن ومعطٍ غفور باسط كفَّه بنعماه دوما، وهو للشاكرين برٌّ شكور..

قيدوا أنعما مستقرة، واستبقوا حالاً مطمئنة، فهي بلدة طيبة ورب غفور..

حمدًا لك اللهم حمدا حمدا، تبقى به نعمك، وتندفع به نقمك.

عبر هذه الأحداث:

(اذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [الأنفال: 26].

عبر هذه الأحداث:

(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آَمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ) [العنكبوت: 67].

بلدان مختطفة، وأمن مروَّع، وسكينة مقتولة، وأجساد تشرحها أيادي الجبروت، وزعزعة الأحداث تطحن كالرحى لا تبقي عليها أحدا إلا عضته بأنياب العنت...

يمنٌ غير سعيد، لا يُمْن في أحداثه، وعظاته، وأما مصرُ،

فيا كنانة الله لا يأس ولا وهن*** فلا تبيتي على يأس وتنتحبي

كم أنبتت دوحة الإسلام من بطل*** وأطلعت في بهيم الليل من شهب!

ترقبي طلعة الفجر البهي فذي ***خيوطه تقرئ التسليم عن كثب

وبورما ليس كالشاكي أحد، ليس *** كالجرح أشد، ربما الصبح قريب

والشام ما شامنا، هذي فنعرفها*** ولا دمشق دمشق لا ولا حلبُ

وليس غزتنا والجرح منشرخ*** تدعو على كل ظلاَّم وتنتحب

والعراق وفلسطين، والأمكنة التي تتوقد فيها الجراح الحمر

اللهم اكشف الغمة عن هذه الأمة..

عبر هذه الأحداث:

(فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) [قريش: 3- 4].

عبر هذه الأحداث: وتدويلها شاهد على أن الإله هو الواحد، وأن سواه هو البائد وفي كل تسكينة وتحريكة أبدا شاهد..

ترفع الأيام أقواما وتضع آخرين، لتحرر معنى محكما، أن الخفض والرفع والتقدير والبسط هي من الله، وعند الله تُقضى الأعطيات، وعند الله تحتكم القضايا.. وإنما الناس شهود لأنعم الله.

عبر هذه الأحداث:

من رفعه الله فلا خافض له، ومن أخفضه فلا رافع له، فحذار أن تؤتى نعم الله من قبل غضب الله..

فإن الله إذا غضب على أحد أو أبغض مخلوقا أُوحي إلى أهل السماوات والأرض أن تغضب عليه، فتغضبَ وتبغضَ، حتى يمقتَه كل مخلوق،

وإنما الناس شهود الله في أرضه، وهم أحاديث على الناس..

سابقْ إلى الخيراتِ أهلَ العُلى *** فإنّما الدُّنيا أحاديثُ

كلُّ امرئٍ في شأنه كادحٌ *** فوارثٌ منه وموروثُ

وإنما المرء حديث بعده فكن حديثا حسنا لمن وعى،

أمر ملكي:

صح في الخبر أن الله "إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، قَالَ: ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ الله عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ، قَالَ: فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ، قَالَ فَيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الْأَرْضِ".

لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر !

أمر ملكي:

رب قوم قد غدوا في نعمة *** زمنًا والدهر ريانٌ غَدَقْ

سكت الدهر زمانًا عنهمُ *** ثم أبكاهم دمًا حين نطقْ

فلا تنلك الليالي إن أيديها *** إذا ضربن كسرن النبع بالغرب !

لا تغتر بالأحداث، ولا تغتر بسكوت العبر، ولا بانجراف البشر، ولا بنعمة راضية، ولا بإمهال الله، لا تغتر بإمهال الله، فإن لله ساعة يمهل فيها، ثم إذا انقضت الساعة، أهمل ولعن لعنا كبيرًا..

لا تستهينوا بالظلم، فعقبى الظلم عاقبة وخيمة، وظلم الناس أبشعها جريمة !

نهايات الظالمين والظلاّم نعرفها ولا ننكرها، وهي سلسلة من حلقات صغيرة تدور على الأعناق، ثم تلتفُّ على أصحابها،

يا أيها الظالمين الناس إن لكم يوما من الله مأتيين بالصفدِ !

كل ظالم، وله يوم من الله، ويوم في تأريخٍ لن يرحمَه، بل سيكتب في الظالمين سيكتب في الظالمين،

والله يقول: (وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى)[طه: 81]..

وكم في كتاب الله من نهايات تتلى إلى قيام الساعة لظلمةٍ عبثوا في أرض الله، وساموا المؤمنين سوء العذاب، فأتى أمر ملكي: فأرداهم الله وأذلهم الله، وأخزاهم الله وقصمهم الله

(وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آَخَرِينَ) [الأنبياء: 11].

(فكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [العنكبوت: 40].

قرر الخليفة العباسي: هارون الرشيد تولية البرامكة في عهده، وقرَّبهم إليه، وأولاهم ولايات شتى، واستوزرهم فيها..

ومن منكم جاهل بهذا البرمكي المسمى بيحيى البرمكي؟! والذي قلده الرشيد منصب وزير الخليفة في دولته، التي كانت تحكم من المغرب إلى الهند، وفوَّض إليه جميع الأعمال في سلطانه، فأصبح يحيى البرمكي هو الخليفة الأعظم في ثوب وزير.

تذكر كتب التأريخ أن هارون الرشيد قال ليحيى: "قد قلدتك أمر الرعية، فاحكم بما ترى، واعزل من رأيت، واستعمل من أردت، ودفع إليه خاتمه".

تولى يحيي البرمكي في منصبه ذاك ولم يكتفِ به فحسب، بل ولى أولاده الثلاثة في مناصب عليا في الدولة، فأصبح البرامكة هم المسيطرون على زمام القرار السياسي, بدلا من خليفة الله: هارونَ الرشيد.

والظلم أسرع مفعول بصاحبه *** وبيته عنكبوت عشُّها قلِقُ

والظلم دائر بصاحبه، فقد كان يحيى البرمكي أكالاً للأموال، عابثًا بالقرارات، مفرطًا في المصالح العليا، شامخا مغرورا عن نصيحة الناصحين، وأعين المظلومين عنه لا تنام،

وسهام الليل لا تخطي*** ولكن لها أمد وللأمد انقضاء

انقلبت دولة الزمان على هذه الأسرة وزعيمها، فذلوا بعد عزة، ووضعوا بعد رفعة، في نكبة، تعرف في التأريخ بنكبة البرامكة..

غضب الرشيد عليهم غضبا شديدا عليهم، فنكَّل بهم، وسجنهم، وقتل أحد أولادهم، وصادر أموال بيت المال منهم..

وفي ظلمات أبواب السجن، يسأل خالدُ بن يحيى البرمكي والده يحيى البرمكي قائلاً له: "يا أبت: بعد العزة صرنا في القيد والحبس؟! فقال والده: يا بني: والله، والله: دعوة مظلوم سرت بليل، غفلنا عنها، ولم يغفل الله عنها".

رب قوم قد غدوا في نعمة *** زمنًا والدهر ريانٌ غَدَقْ

سكت الدهر زمانًا عنهمُ *** ثم أبكاهم دمًا حين نطقْ

تنام عينك والمظلوم منتبه*** يدعو عليك وعين الله لم تنم

"اتق دعوة المظلوم؛ فإنها ليس بينها وبين الله حجاب"!

(وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) [إبراهيم 42].

إنه لا أذهب للدول، ولا أقتل لقوادها، ولا أشقى لأفرادها من الظلم، ومن تولية الظالمين،

وإنه لا أبقى لها من العدل، ومن تولية الأمناء الناصحين الأكفاء، فـ"ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاشّ لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة"..

فطوبى لمقربي النَّصَحَة، وويل لمقربي الغَشَشة!!

يقرِّب الواثق بالله الخليفة العباسي المعتزليَّ أحمد بن أبي دؤاد، وكان هذا الرجل مقربًا من الخليفة، وقاضيًا، لكنه كان معتزليًّا ضالاً, حاقدًا على كل ما يَمُت للسُّنة ولأهلها بقربى وصلة.

وقد لعب هذا الرجل دورًا ضخمًا في إيقاد الفتنة: فتنةِ خلق القرآن، وفتن الناس، وبُسط لذلك النَّطْع، وسُلت السيوف من أغمادها، وشُمِّرت الحبال والقيود، وسُلسل الناس في أكبر محنة فكرية تمر على الرعيل الأول، وغدا كل أحد لا يقول: إن القرآن مخلوق، فهو مقتول أو مسجون حتى الموت.

لقد ألَّب هذا القاضي الولاة العباسيين على الإمام أحمد، ومن معه من العلماء في محنة خلق القرآن، وكان يفتي الخلفاء والولاة، بجواز ضربهم وسجنهم وسحلهم وجلدهم، بل حتى قتلهم، فقُتل في عهد الواثق بالله خلائقُ من خلق الله لا يحصيهم إلا الله.

حتى إن الواثق بالله وهو الخليفة العباسي لما قتل أحد أئمة أهل السنة، بفتوى من هذا المعتزلي، سُئل ابنُ أبي دؤاد عن هذا القتل في أحد مجالس الخليفة المتوكل بعد ذلك؟

فكأن المتوكل ساوره شك في هذا القتل، فقال ابن أبي دؤاد: والله يا خليفة الله ضربني الله بالفالج إن قتله الواثق إلا كافرًا، ضربني الله بالفالج إن قتله الواثق إلا كافرًا.

والفالج: هو الشلل الكلي يصيب الإنسان.

وشاء الله –عز وجل- بقدرته وعظمته وأمره، أن يُصاب ابن أبي دؤاد في آخر حياته بالفالج ويبتليه الله أربع سنوات قبل أن يموت!!

ثم سلبه المتوكلُ بالله جميع وظائفه وصادر أمواله، وبقي مهموما نَكِدًا حتى مات، وقبل أن يموت دخل عليه أحد أئمة السنة قائلاً له: والله ما جئتك عائدا وإنما جئتك لأعزيك في نفسك، وأحمد الله الذي سجنك في جسدك الذي هو أشد عليك عقوبة من كل سجن،

وعقبى الظلم عاقبة وخيمة*** وظلم الناس أشنعه جريمة

وشواهد الحدثان لا تحصى ولا تعد، وقصص الظالمين والمظلومين، تملأ الأسفار، وتعيي لسان البليغ، ولسان الأحداث أبلغ شاهد ودليل..

(فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام: 45].

إن الرسالة واضحة أن عقبى الصبر التمكين، وأنه مهما كان الصبر مُرّ مذاقته، فإن عواقبه أحلى من العسل..

ويا أيتها الأمة:

قسمًا بمن سكب الغمام على*** رباك فأزهرت بالياسمين

قسمًا بمن نشر الضياء على *** جبينك رغم آلاف السنين

وقد ازدهى كالبدر *** كالشوق المنور في العيون

قسما برب العرش قد *** أقسمت، ستظهرين ستظهرين

قسما بربك سستشرقين*** وتضحكين، وترجعي لذة الصباح

ولست إلا الشمس إن *** جثمت على الكون الدجون

(وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) [الصف: 8].

اللهم ولِّ على هذه الأمة خيارها واكفها شر شرارها..

ونحمدك اللهم على ما أوليته من نعم، نحمدك اللهم عليها ونسألك أن تزيدنا منها..

اللهم زدنا من فضلك العظيم، وأنلنا نوالك الكريم..

اللهم من ولي من أمر هذه الأمة أمر فرفق بمن تحت يده فارفق به، ومن شق عليها فاشقق عليه..

اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه، اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه.. وخذ بناصيته إلى البر والتقوى، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه، وادفع عنه بطانة السوء والشر يا رب العالمين.

اللهم صلّ وسلم على عبدك وحبيبك محمد بن عبد الله وارض

التعليقات : 0 تعليق

إضافة تعليق


 

/500

روابط ذات صلة

المادة السابق
الكسوف بين الأسباب المادية والشرعية
المواد المتشابهة المادة التالي
الكسب الطيب