light school
جديد الموقع
  تابع كتاب مواقيت الصلاة (5) / من باب ما يُصلى بعد العصر من الفوائت ونحوها، إلى باب: السمر في الفقه والخير بعد العشاء ..     التعليق على بعض أحاديث صحيح البخاري - عبد العزيز بن باز     تابع كتاب مواقيت الصلاة (6) / باب السمر مع الضيف والأهل، إلى باب: الأذان بعد الفجر من كتاب الأذان ..     التعليق على بعض أحاديث صحيح البخاري - عبد العزيز بن باز     تابع كتاب الأذان (2) / من باب: الأذان قبل الفجر، إلى باب: قول الرجل فاتتنا الصلاة     التعليق على بعض أحاديث صحيح البخاري - عبد العزيز بن باز     تابع كتاب الأذان (3) / من باب: لا يسعى إلى الصلاة وليأت بالسكينة والوقار، إلى باب: اثنان فما فوقهما جماعة من كتاب الجماعة والإمامة ..     التعليق على بعض أحاديث صحيح البخاري - عبد العزيز بن باز     تابع كتاب الجماعة والإمامة (2) / من باب: من جلس في المسجد ينتظر الصلاة، وفضل المساجد، إلى باب: أهل العلم والفضل أحق بالإمامة ..     التعليق على بعض أحاديث صحيح البخاري - عبد العزيز بن باز     تابع كتاب الجماعة والإمامة (3) : من باب من قام إلى جنب الإمام لعلة، إلى باب: إثم من رفع رأسه قبل الإمام ..     التعليق على بعض أحاديث صحيح البخاري - عبد العزيز بن باز     تابع كتاب الجماعة والإمامة (4) : من باب: إمامة العبد والمولى، إلى باب: إذا لم يتم الإمام وأتم من خلفه ..     التعليق على بعض أحاديث صحيح البخاري - عبد العزيز بن باز     تابع كتاب الجماعة والإمامة (5) : من باب هل يأخذ الإمام إذا شك بقول الناس، إلى باب: إذا قام الرجل عن يسار الإمام وحوله الإمام خلفه إلى يمينه تمت صلاته ..     التعليق على بعض أحاديث صحيح البخاري - عبد العزيز بن باز     تابع كتاب الجماعة والإمامة (6) / من باب المرأة وحدها تكون صفًّا، إلى باب إيجاب التكبير وافتتاح الصلاة من كتاب صفة الصلاة ..     التعليق على بعض أحاديث صحيح البخاري - عبد العزيز بن باز     تابع كتاب صفة الصلاة (3) / من باب: الالتفات في الصلاة، إلى باب: القراءة في العصر     التعليق على بعض أحاديث صحيح البخاري - عبد العزيز بن باز   

زوار الموقع

الاحصائيات
لهذا اليوم : 173
بالامس : 295
لهذا الأسبوع : 1875
لهذا الشهر : 762
لهذه السنة : 57861
منذ البدء : 59096
تاريخ بدء الإحصائيات : 5-5-2014

المادة

ما أحوجنا للترفع والإعراض عن الجاهلين في زمن التحريش والتصنيف

 

عناصر الخطبة 1/ الأخلاق دليل على تقدم الشعوب ورقيها 2/ من أعظم الأخلاق التي نحتاجها في الواقع المعاصر 3/ فضل الترفع عن مجاراة السفهاء 4/ رب سكوت أبلغ من كلام!! 5/ منطق العقلاء والباحثين عن الحق 6/ أخلاق الفضلاء الذين يحبون الخير للناس 7/ ثمرات الإعراض عن اللغو والجاهلين في الدنيا والآخرة 7/ أخلاق الكبار في زمن الأخطار.

رُبّ كلام جوابه السكوت، ورب سكوت أبلغ من كلام، فقد علمتنا مدرسة الحياة أن الإعراض عن الجاهلين، والترفع عن مجاراة السفهاء والشامتين، والصفح الجميل عن الزلات والأخطاء من أحسن الشِّيَم، فخير لك أن تعفو وتصفح ولا تقول إلا خيرًا، وذلك طلبًا أولاً لرضوان الله -سبحانه وتعالى- وحفظًا لكرامتك ثانيًا، ولوقتك وجهدك ثالثًا، فإذا خاطبك جاهلٌ فحذارِ أن تكون مثله في الرد عليه، فتسفه عليه كما سفه عليك..

الخطبة الأولى:

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على من أدبه بالخلق العظيم، وبعثه الله رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه الغر الميامين، ومن سار على نهجه واتبع سنته إلى يوم الدين.

أما بعد عباد الله: اتقوا الله حقيقة التقوى، واعلموا أن حقيقتها بمراقبة الله في سلوكنا وتصرفاتنا، بأقوالنا وأفعالنا، إنها التقوى في المعاملات، تطبيقًا وممارسة، والتقى أساس الأخلاق، والأخلاق بمنزلة العمود الفقري في الحياة، وبمثابة الأساس المتين لأي قانون أو نظام، وأي حضارة وشريعة، الأخلاق دليل على تقدم الشعوب، وعلى رقيها في سلم الحضارة، الأخلاق وسيلة فعّالة وفن مهم لكسب القلوب والمعاملة الحسنة والعشرة الطيبة.

ومن أعظم الأخلاق التي نحتاجها في هذا الواقع المعاصر، وهي من أعظم المميزات والتي تميز رجل المرحلة في زمن التحريش وزمن التصنيف وزمن الانقسام.

صفة مهمة، صفة عظيمة، من أخذ بها فقد فاز الفوز العظيم وحاز الخير العميم، ألا وهي الترفع عن مجاراة السفهاء والحاسدين، وإكرام النفس وحفظها مما لا يليق بها، خاصة في زمن التحريش مما نراه ونسمعه في مثل هذه الأيام.

فالانشغال بالرد على السفهاء والجاهلين، ومجاراتهم ليس فقط من مساوئ الأخلاق والمخل بالآداب، بل هو -إضافة إلى ذلك مضيعة للوقت والعمر- إضعاف للعزيمة وفتور للهمة، وانشغال عن المقاصد العليا، وإساءة للنفوس الكريمة الأبية التي تترفع بطبعها عن مجاراة السفهاء ومجاراة الجاهلين والبطالين.

فلا ينبغي الانشغال بهم، وبما قالوا أو بالردود عليهم، فالرجل العاقل أذكى من أن ينشغل بهؤلاء، وبالرد وبالقيل والقال، وإضاعة الوقت والمال، فوقته أغلى من أن يُهْدَر في مثل هذا المجال، ونفسه أرفع وأعلى من أن تنحدر إلى هذا المقام، وهل سلِم الله خالق الناس من الناس، هل سلِم الله –سبحانه- خالق الناس من الناس حتى يسلم ذاك الرجل، لسانه يردد دوما: ما سلم الله من بريته ولا نبي الهدى فكيف أنا؟!

إن إكرام النفس هو تجسيد لإرادة عالية في الإنسان، تسعى به للترفع عن الدنايا، إذا أنت لم تكرم نفسك فمن يكرمها، ومن لم يكرم نفسه لا يكرّم.

نعم، إن من المشروع أن يدافع المظلوم عن نفسه وأن ينتصر لحقه، كما قال الحق عز وجل: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ) [النحل 126] ويقول سبحانه: (وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ) [الشورى 41] .

لكن رُبّ كلام جوابه السكوت، ورب سكوت أبلغ من كلام، فقد علمتنا مدرسة الحياة أن الإعراض عن الجاهلين والترفع عن مجاراة السفهاء والشامتين، والصفح الجميل عن الزلات والأخطاء من أحسن الشيم، فخير لك أن تعفو وتصفح ولا تقول إلا خيرا، وذلك طلبا أولا لرضوان الله -سبحانه وتعالى- وحفظا لكرامتك ثانيًا، ولوقتك وجهدك ثالثًا، فإذا خاطبك جاهل فحذارِ أن تكون مثله في الرد عليه، فتسفه عليه كما سفه عليك، بل قل بكل أدب ووقار ورزانة، كما قال الحق -عز وجل-: (لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) [القصص 55]. أي: لا تسمعون منا إلا خيرًا، ولا ينالكم منا أذًى ولا مكروه، فيسلمون ويسلمون سلام متاركة وتبرئة، لا سلام تحية وخوف ومجاملة، بل متاركتهم ناشئة عن عقل وحكمة، ولا شك أن في ذلك درس للجاهل وعبرة لتشعره بالفرق الذي بينهما، وليعرف أن كل واحد ينفق مما عنده وينشر بضاعته.

إِذَا فَاهَ السَّفِيهُ بِسَبِّ عِرْضِي *** كَرِهْتُ بِأَنْ أَكُونَ لَهُ مُجِيبًا

يَزِيدُ سَفَاهَةً وَأَزِيدُ حِلْمًا *** كَعُودٍ زَادَهُ الإِحْرَاقُ طِيبَا

ذلك هو توجيه القرآن لنا، فهو أدب قرآني وتعليم رباني، كما قال الحق -عز وجل-: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) [القصص 55]، أي: لا نريد طريقة الجاهلين ولا نحبها.

يقول محمد بن إسحاق في سبب نزول هذه الآية: قدم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو بمكة عشرون رجل أو قريب من ذلك من النصارى حين بلغهم خبره من الحبشة، فوجدوه في المسجد، فجلسوا إليه وكلموه وسألوه، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة.

فلما فرغ الوفد من مساءلة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عما أرادوا، دعاهم -صلى الله عليه وسلم- إلى الله -عز وجل- وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا لله وآمنوا به وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره.

فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل ابن هشام في نفر من قريش، سبحان الله، التاريخ يعيد نفسه، فالجاهلون كأبي جهل ما أكثرهم في هذا الزمان الذين يعترضون على نشر دين الله وعلى إيصال الحق والفرحة بنشر الخير وهداية الناس.

اعترضهم أبو جهل ابن هشام في نفر من قريش، فقالوا لهم: "خيّبكم الله من ركب، بعثكم مَن وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتكم دينكم وصدقتموه بما قال، ما نعلم ركبًا أحمق منكم".

فقال لهم الركب: "سلام عليكم لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه". هكذا منطق العقلاء، هكذا منطق الباحثين عن الحق، هكذا المنطق الذي نريده لرجال المرحلة في مثل هذه الفترة من واقعنا المعاصر، الذي كثر التحريش فيه، وكثرت الصراعات المذهبية والطائفية فيه، وأعداء الله يرقصون على جراحنا ويفرحون بتقسيمنا.

قال الوفد: "سلام عليكم لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه، لم نألُ أنفسنا خيرًا". سبحان الله! ألا تعجبون معاشر المسلمين إنهم يقولون هذا وهم حديث عهد بالإسلام، سرعان ما تأدبوا بآدابه، والتزموا تعاليمه، فلماذا تعجّ ساحتنا اليوم بتبادل السباب والاستهزاء والتصنيف والتحريش والسخرية، وربما كان من المثقفين والمتعلمين زعموا، وربما وصل التحارش لساحات المحاكم وللشرطة، ولا يحتاج هذا لدليل فها هي أحداث مشهورة وأخبار منشورة، وهكذا هو أثر البعد عن منهج الإسلام عن منهج القرآن.

رغم أن هناك نصوصًا كثيرة تأمر وتحث على الإعراض عن الجاهلين، وعدم الخوض مع الشامتين والحاسدين، إلا أننا نرى ونسمع ونقرأ كثرة التحارش والتهارش بين المسلمين، فمتى يكون لنصوص القرآن أثر ملموس في حياتنا، متى نتأدب بسلوكيات القرآن.

اسمعوا لروعة عمر -رضي الله عنه- في هذا الموقف، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: " قدم عيينة بن حصن بن حذيفة فنزل على ابن أخيه الحر ابن قيس، وكان من النفر الذين يُدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولاً كانوا أو شبابًا، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي هل لك وجه عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه. قال: سأستأذن لك عليه. يقول ابن عباس: فاستأذن الحر لعيينة، فأذن له عمر، فلما دخل عليه قال: "إيهٍ يا ابن الخطاب، فو الله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل". فغضب عمر حتى همَّ أن يوقع به. فقال الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) [الأعراف: 199]".

يا لها من حاشية صالحة، يا لهم من جلساء، متى كان أهل القرآن هم جلساء المسئولين والأمراء، هكذا يقولها الحر، يذكّر عمر -رضي الله عنه وأرضاه-، يذكّره فقط بآية في القرآن (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ).

يا عمر يا أمير المؤمنين إن هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها كما يقول ابن عباس، حين تلاها الحر عليه، وكان وقافًّا عند كتاب الله (رواه البخاري في صحيحه).

هكذا كانوا يقرءون القرآن، هكذا يكون القرآن منهج حياة، ويكون مصدرًا للرقي والأخلاق، وهكذا القرآن كان خُلقًا للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فكان يأخذ ما عفا وزاد من أخلاق الناس، ويعرض عن الجاهلين كما أمره الله بقوله: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ).

نعم يا عباد الله إنها القاعدة الربانية السماوية، خذ العفو من الناس، عاملوا الناس بالعفو، وأمروا بالعرف، فإن هذا ما يحبه الله، وأعرضوا عن الجاهلين، وما أكثرهم في هذا الزمان!! لما نزلت (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- جبريل عن الآية، فقال: "لا أعلم حتى أسأله"، ثم رجع فقال: "إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عن من ظلمك".

إنها أخلاق الكبار، إنها أخلاق الذين يحبون الخير للناس، إنها أخلاق الذين يتراحمون ويتخلقون بأخلاق الإسلام حقيقة، "إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عن من ظلمك"..

يا الله ما أروع هذه الأخلاق!! مَن يقدر عليها في زماننا، من يجاهد نفسه ويصبرها، إنها صفات عباد الرحمن (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) [الفرقان: 63]، نعم قالوا سلامًا، ليس خوفًا ولا ضعفًا، بل أدبًا وترفعًا، بل إن القرآن ذهب إلى أكثر من هذا القول، فقال -سبحانه وتعالى-: (فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) [الزخرف: 89]

نعم قل سلام، اصفح واعفُ، فأنت أكبر وأنت أعقل، وأنت أكرم أما هم فسيعلمون، الصفح ليس من أجلهم، الصفح من أجل الله الذي يراك، من أجل الله الذي يسمعك، من أجل دينك، من أجل أن تعتلي المراتب العليا في الجنة، نعم الصفح من أجل الله، وإن تصنعوا أو تجاهلوا، سيعلمون أن صفحك هذا خلق وكرم منك.

نعم يعلمون في حقيقة أنفسهم وإن كابروا وإن عاندوا ليس ضعفا أو خوفا منك، بل ربما كان جوابك أو ردك عليهم بابًا لشرور كثيرة.

قالوا سكتَّ وقد خُوصمت قلت لهم *** إن الجواب لباب الشر مفتاح

الصمت عن جاهل أو أحمق شرف *** أيضًا وفيه لصون العرض إصلاح

أمَا ترى الأُسْد تُخشَى وهي صامتة *** والكلب يَخشَى لعمري وهو نباح

فالمؤمن إذا سفِه عليه الجاهل بالقول السيئ، إذا كلمه بما لا ينبغي ولا يليق أعرض عنه، ولا يقابله بمثل كلامه، ولا يكيل الصاع بصاعين تخلقًا وترفعًا عن مجاراة السفيه، وإظهارًا لفضله وكرمه وأدبه فبضاعته ليست من النوع الذي يملكه ذاك السفيه، فإناؤه لا ينضح إلا بأدب الإيمان وآيات القرآن، وكل إناء بالذي فيه ينضح، وقد يكون سكوت المؤمن من باب عدم إذلال النفس والتعرض لما لا يطيق من البلاء، وكما قال -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه عنه حذيفة "لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه" قالوا: وكيف يذل نفسه يا رسول الله؟ قال: "يتعرض من البلاء ما لا يطيقه" (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وغيرهم، وصححه الألباني).

يقول ابن تيمية -رحمه الله-: "ما جزيت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه"، يا له من كلام يُكتب بماء العيون، نعم ما جزيت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، فالتزم أخي المسلم بأدب الإسلام في مثل هذه المواقف، سترى أن الجاهل سيعض أصابع الندم لا محالة.

وثق أن لهذا الإعراض عن اللغو ثمرة عظيمة وجائزة كبيرة، كما بيّن الله في أول سورة المؤمنون أن الإعراض عن اللغو من صفات المؤمنين الصادقين المفلحين وهم بالفردوس موعودون يقول الحق -عز وجل-: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) إلى أن قال: (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [المؤمنون: 1- 11].

فجزى الله المعرضين عن اللغو والمترفعين عن الدنايا بجنة لا يسمعون فيها لغوًا ولا تأثيمًا إلا قيلاً سلاماً سلاما، فيا له من ثواب ما أجزله! يا له من جزاء ما أعدله! فالجزاء من جنس العمل، وكما تدين تُدان، يقول -صلى الله عليه وسلم-: "إن في الجنة غرفًا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها" -من جمالها وشفافها وصفائها، غُرف خاصة- قيل: لمن يا رسول الله؟ -لمن هذه الغرف؟ التي لا مثيل ولا شبيه لها في الجنة- قال صلى الله عليه وسلم: "لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام" (رواه الطبراني والحاكم وصححه الألباني).

ما أروعها وأيسرها من صفات على من يسرها الله عليه، يقول حكيم: "من سكت عن جاهل فقد أوسعه جوابًا، وأوجعه عتابًا"، وقيل: إن رجلاً خاصم الأحنف، فقال: "لئن قلت واحدة لتسمعن عشرًا". قال الأحنف: "لكنك إن قلت عشرًا لا تسمع واحدة".

إذا نطق السفيه فلا تجبه *** فخير من إجابته السكوت

فإن كلمته فرجت عنه *** وإن خليته كمدا يموت

سبَّ رجل ابن عباس -رضي الله عنهما-، فلما قضى مقالته، قال لخادمه: "انظر هل للرجل من حاجة فنقضيها له؟"، نكس الرجل رأسه استحياءً..

شتم رجل مرة رجلاً فاضلاً من التابعين هو ابن هبيرة، فأعرض عنه ابن هبيرة، فقال الشاتم: "يا هذا إياك أعني"، فقال ابن هبيرة: "وعنك أُعرض".

يقول الشافعي -رحمه الله-:

إذا سبنّي نذل تزايدت رفعة *** ما العيب إلا أن أكون مساببه

ولو لم تكن نفسي عليَّ عزيزة *** لمكّنتها من كل نذل تحاربه

أيها المؤمنون! ما أعظم هذه الصفة! ما أعظم هذه الميزة! ما أعظم هذا الخلق، فلنتواصى به، لنتواصى به في مثل هذا الزمن في مثل هذا الواقع المعاصر الذي نرى فيه الانقسام، الذي نرى فيه العداوات حلت بين المسلمين وبين الإخوة من المسلمين حتى أصبح بعضهم يتلذذ بدم البعض، وللأسف وليس فقط بسبه وشتمه أو مقارعته العداوة، بل لا يأنس إلا إذا أقصاه أو قتله فأدماه، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

الترفع عن مجاراة السفهاء إكرام للنفس وحفظ لها ورفعة عند الله، إنها أخلاق الكبار في زمن الأخطار، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

التعليقات : 0 تعليق

إضافة تعليق


 

/500

روابط ذات صلة

المادة السابق
الكسوف بين الأسباب المادية والشرعية
المواد المتشابهة المادة التالي
الكسب الطيب