light school
جديد الموقع
  تابع كتاب مواقيت الصلاة (5) / من باب ما يُصلى بعد العصر من الفوائت ونحوها، إلى باب: السمر في الفقه والخير بعد العشاء ..     التعليق على بعض أحاديث صحيح البخاري - عبد العزيز بن باز     تابع كتاب مواقيت الصلاة (6) / باب السمر مع الضيف والأهل، إلى باب: الأذان بعد الفجر من كتاب الأذان ..     التعليق على بعض أحاديث صحيح البخاري - عبد العزيز بن باز     تابع كتاب الأذان (2) / من باب: الأذان قبل الفجر، إلى باب: قول الرجل فاتتنا الصلاة     التعليق على بعض أحاديث صحيح البخاري - عبد العزيز بن باز     تابع كتاب الأذان (3) / من باب: لا يسعى إلى الصلاة وليأت بالسكينة والوقار، إلى باب: اثنان فما فوقهما جماعة من كتاب الجماعة والإمامة ..     التعليق على بعض أحاديث صحيح البخاري - عبد العزيز بن باز     تابع كتاب الجماعة والإمامة (2) / من باب: من جلس في المسجد ينتظر الصلاة، وفضل المساجد، إلى باب: أهل العلم والفضل أحق بالإمامة ..     التعليق على بعض أحاديث صحيح البخاري - عبد العزيز بن باز     تابع كتاب الجماعة والإمامة (3) : من باب من قام إلى جنب الإمام لعلة، إلى باب: إثم من رفع رأسه قبل الإمام ..     التعليق على بعض أحاديث صحيح البخاري - عبد العزيز بن باز     تابع كتاب الجماعة والإمامة (4) : من باب: إمامة العبد والمولى، إلى باب: إذا لم يتم الإمام وأتم من خلفه ..     التعليق على بعض أحاديث صحيح البخاري - عبد العزيز بن باز     تابع كتاب الجماعة والإمامة (5) : من باب هل يأخذ الإمام إذا شك بقول الناس، إلى باب: إذا قام الرجل عن يسار الإمام وحوله الإمام خلفه إلى يمينه تمت صلاته ..     التعليق على بعض أحاديث صحيح البخاري - عبد العزيز بن باز     تابع كتاب الجماعة والإمامة (6) / من باب المرأة وحدها تكون صفًّا، إلى باب إيجاب التكبير وافتتاح الصلاة من كتاب صفة الصلاة ..     التعليق على بعض أحاديث صحيح البخاري - عبد العزيز بن باز     تابع كتاب صفة الصلاة (3) / من باب: الالتفات في الصلاة، إلى باب: القراءة في العصر     التعليق على بعض أحاديث صحيح البخاري - عبد العزيز بن باز   

زوار الموقع

الاحصائيات
لهذا اليوم : 186
بالامس : 295
لهذا الأسبوع : 1888
لهذا الشهر : 775
لهذه السنة : 57874
منذ البدء : 59109
تاريخ بدء الإحصائيات : 5-5-2014

المادة

عندما يموت الحنان

 

أهداف الخطبة التزهيد في الدنيا بالاتعاظ بالموت/ رثاء الشيخ لأمه/ الدعوة لبر الوالدين قبل فقدهما وبعده
عناصر الخطبة 1/ الاعتبار بمرور الأيام 2/ التعجب من غفلتنا 3/ كفى بالموت واعظا 4/ فرارنا من الموت 5/ رثاء الشيخ لأمِّهِ 6/ منزلة بِرّ الوالدة 7/ نعمة وجود الوالدين 8/ المسابقة إلى برِّهما 9/ برهما بعد موتهما 10/ امتصاص الإيمان للأحزان.


لقد لقيته خلال الأيام الماضية، كنت معه في غرفة واحدة، كنت أعلم أن الموت حق، وأن المؤمن راضٍ بما كتب الله؛ لكنها بشرية الإنسان، فإن كان موت القريب لقريبه مصيبة، فإن موت الوالدين أو أحدهما من أشد المصائب، وأوجع المواجع، فكيف إذا كان الفقد لذلك القلب الحنون، أغلى إنسان، وأرحم إنسان، وأحب إنسان، وأوفى إنسان...

الحمد لله الحي الباقي على الدوام، المنفرد بالعز والقهر والجلال والإكرام، الحاكم بالحِمام، والقاضي بالمنية على الخاص والعام، القائل في محكم تنزيله: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) [الرحمن:26-27].


فلا محيد لأحد عن الموت ولو عُمِّر ألف عام، جعل الزرع البشري بمِنجل الموت حصيدًا، وفي بَيْدَرِ الأجداث بدِيار البِلى فقيدًا، ويقسمه يوم يبعثه خلقًا جديدًا، فريقا شقيا وآخر يجعله سعيدًا، فسبحانه من واحد قهار جواد، وارث العباد والبلاد، باعث الرفات للمعاد، وناقلهم من لين المهود إلى خشونة اللحود، ومصيّرهم بين حجرها المنضود، وجندلها الْمَعْقُود، أكلاً للهوام وطعمًا للدود.


نحمده على ما ساء وسرَّ، ونشكره على الحلو والمرّ، ونؤمن بما قدَّر من خير وشرّ، ونسأله الرضا بما قضى، وسطرته الأقلام وانقضى.


ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو القدرة الباهرة، والسطوة القاهرة، ونشهد أن نبينا محمدًا عبده الأمين، ورسوله المأمون، الذي أَنزل عليه بكتابه المكنون: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) [الزمر:30]، صلى الله أشرف الصلوات عليه، وساق من التحيات أفضلها إليه، وأنزله المنزل المقرَّب لديه، ورضي الله عن الصحب والآل، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم القرار.


وبعد:


كَتَبَ الْفَنَاءَ عَلَى الْبَرِيَّةِ رَبُّهَا *** فَالنَّاسُ بَيْنَ مُقَدَّمٍ وَمُخَلَّفِ
سُبْحَانَ ذِي الْمَلَكُوتِ أَيَّة لَيْلَةٍ *** مَخضَتْ صَبِيحَتُهَا بِيَوْمِ الْمَوْقِفِ


إخوة الإيمان: في تقلبات الدنيا وصروفها أجلُّ دروس وعبر، وفي أيامها وحوادثها أعظم عظة لمن اتعظ وأعمل الفِكَر، نعَم! هي الدنيا جَمة المصائب، مُرة المشارب، لا تمتع صاحبًا بصاحب، يزول سريعًا حبورها، ولن يدوم مع أحد سرورها، من سره فيها زمن ساءته أزمان، ولو دامت الحياة لدامت لأعظم إنسان، عليه الصلاة والسلام.


لله موت الْمُصْطَفى إِنَّه *** رُزْءٌ عَظِيمٌ لَا يضاهي الْعِظَامْ
فموته الْخطب الْجَلِيل الَّذِي *** هان بِهِ رزء الْجِيَاد الْكِرَامْ


إخوة الإسلام: هذه هي دنيانا، وهذه هي نهاية كل واحد منا، عجبًا للموت! فكأسه مشرعة مترعة، فمن لم يشرب منها اليوم، فسيشرب منها بالتأكيد غدًا.
الموتُ كأسٌ على كُلِّ الوَرَى جاري *** وليس يَبْقَى بلا مَوْتٍ سوى الباري


ولكن العجب العجاب؛ هو غفلتنا عنه مع قربه منا!
كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ *** وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ


ومع أننا نراه كل يوم يتخطانا إلى غيرنا، فسيأتي يوماً يتخطى غيرنا إلينا!
كلُّ ابنِ أُنثى وإنْ طالتْ سَلامَتُه *** يَوْماً على آلةٍ حَدْباءَ مَحمولُ


فيا الله! كيف نغفل عن الموت وهو مفرق الجماعات، وهادم اللذات!.


والد بين أولاده، يضاحكهم ويداعبهم، وفجأة؛ إذا بالأفراح تنقلب أحزانا، ويبقى الأولاد أيتامًا. وأمّ تملأ البيت بحنانها سرورًا وحبورًا، وفجأة غاب الحنان وذاك الإنسان، فلا إله إلا الله! ما أجلّ حكمته! وما أعظم تدبيره!.


تلك هي الدنيا؛ خدّاعة غدّارة، فتّانة غرّارة، تضحك وتبكي، وتجمع وتشتت، شدة ورخاء، وسَرّاء وضرّاء، والعاقل من اتعظ واعتبر، فالآيات درر تملأ السور؛ (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)[آل عمران:185].


ما الْأَمر فِي ذِي الدَّار إِلَّا مَنَامْ *** كل سيدري حِين يَأْتِي الْحِمامْ
يَقُول (يَا لَيْت) وأنى لَهُ *** وَالْمَوْت قد أطلق فِيهِ السِّهَامْ
يود لَو أمهله لَحْظَة *** يَتُوب فِيهَا عَن ركُوب الْحَرَامْ
أَنى لَهُ التوب وَقد حشْرَجَتْ *** فِي الصَّدْر مِنْهُ النَّفس للإصطلامْ
يَا نائمين انتبهوا طالما *** غر الأولى الماضين طولُ الْمقَامْ
بَينا هُمُ فِي غَفلَةٍ إِذْ أَتَى *** مَا كفهم عَن فعلهم وَالْكَلَامْ
وأُسكنوا فِي حُفْرَة أَذْهَبَتْ *** لحومهم لم تُبْقِ غير الْعِظَامْ


كفى بالموت واعظًا! "أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ؛ فإنه لم يذكره أَحَدٌ فِي ضِيْقٍ مَنَ الْعَيْشِ إِلا وَسَّعَهُ، وَلا يذكُرهُ في سَعَةٍ إِلا ضَيَّقها عليهِ".


وكان -صلى الله عليه وسلم- في جِنَازَةٍ، فَجَلَسَ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ فَبَكَى، حَتَّى بَلَّ الثَّرَى، ثُمَّ قَالَ: "يَا إِخْوَانِي، لِمِثْلِ هَذَا فَأَعِدُّوا".


وسأل -صلى الله عليه وسلم- رجلٌ: أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ؟ فقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا، وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا، أُولَئِكَ الْأَكْيَاسُ".


ورحم الله عمر بن عبد العزيز إذ قال: "لو فارق ذكر الموت قلبي ساعة لفسد". وسئل أحد السلف: لماذا نكره الموت؟ فقال: "لأنكم عمّرتم دنياكم، وخربتم أخراكم، فأنتم تكرهون النقلة من العمران إلى الخراب".


ورغم ذلك كله؛ فإننا كثيراً ما نحاول الهروب من مجرد ذكر الموت، نتظاهر بالتغافل والتشاغل عنه، والله يُحذر ويقول: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيد) [ق:19].


نعم والله! نحيد عن مجرد ذكره حتى وإن بلغنا من العمر عتيا، نحيد حتى وإن أنشب المرض مخالبه وعض علينا بأنيابه، لكنها الحقيقة القرآنية: (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ)[الجمعة:8].


لقد لقيته خلال الأيام الماضية، كنت معه في غرفة واحدة، كنت أعلم أن الموت حق، وأن المؤمن راضٍ بما كتب الله؛ لكنها بشرية الإنسان، فإن كان موت القريب لقريبه مصيبة، فإن موت الوالدين أو أحدهما من أشد المصائب، وأوجع المواجع، فكيف إذا كان الفقد لذلك القلب الحنون، أغلى إنسان، وأرحم إنسان، وأحب إنسان، وأوفى إنسان، أمك ثم أمك ثم أمك!.


يا الله! عندما يموت الحنان، بوابة الجنان، أقرب وأكرم وأحب إنسان، أمّهات نحن ثمار قلوبهن، أمهات نحن قطع من أفئدتهن، أمهات نصبح ونمسي في أحضانهن، أمهات لم ننعم في الدنيا بوسادة أنعم من صدورهن، أمهات لم نلثم أجمل من ثغورهن، أمهات لم نسمع أرق وألطف من كلامهن، أمهات هن وهن وهن، فلن نجد لهن مثيلاً، حنوًّا وشفقة، وعطفاً ورحمة، وصبراً وتضحيةً.


فلا تلوموه يوم تتفجر الأحزان، عندما يبقى الحنان، فالرجل طفل مهما تراكمت الأعوام، وعندما يموت الحنان يشيخ فجأة ذلك الطفل وكأن شيئاً لم يكن! وكأن شيئاً ما كان! رغم أن الموت حق! والله المستعان!
شَرِبْتُ الْحُزْنَ كَأساً بَعْدَ كَأسٍ *** فَمَا نَفِدَ الشَّرابُ وَمَا رَوِيْتُ


مصيبة كل إنسان بأمه ليس لها مثيل بعد المصاب بحبيب الأمة، صلوات الله وسلامه عليه، إنها لحظات عصيبة، تمر بكل إنسان ذكراً كان أو أنثى، صغيراً كان أو كبيرا، عندما يموت الحنان عندما يفقد أمه. إنها مصيبة تلقي بظلالها الكئيبة على كل من فقد والده أو أمه.


يَا حُسْنَ مَا كُنَّا جَمِيعًا فمذ *** ترحلوا عَنَّا أَقَامَ الغرامْ
وَكلما مر حَدِيث لَهُم *** تضَاعف الشوق وَزَاد الهيامْ
لله هَذَا الْمَوْتُ لم يبْقِ ذَا *** تقوى لتقواه وَلَا ذَا اجترامْ


نحزن وندمع، ونبكي ونتوجع، على جنان في الدنيا فقدناها، جنان كنا نعيش فيها، ونتفيأ ظلالها، جنان نجني ثمارها صباح مساء، فالأم جنة الدنيا، جنة يد المنية تغتالها منا، وتبعدها عنا، جنة في الدنيا توصلنا إلى جنة الآخرة، ما أذكر أنني لقيت أمي إلا وأخرج من عندها وأنا أشد قوة على فعل الخيرات، وأكثر عزمًا على القيام بالطاعات والعبادات.


إنها الأم! رائدة دربنا، عنوان سعادتنا، سبب نجاحنا، رمز توفيقنا بعد الله -جل علاه-.


إنها الأم! أعظم كتاب قرأته في حياتي، وأعلم أستاذ تخرجت على يديه،
وكانَتْ في حياتِكِ لي عظاتٌ *** وأنتِ اليوم أوعَظُ منك حيًّة


من منكم سينسى كيف كانت توقظه للصلوات، كيف كانت تلقنه الآداب والمكرمات، كيف كانت تسهر تنتظره ساعات، كيف كانت تتجرع المر ليهنأ في الحياة، كيف كنت تؤذيها وتعقها وتصيبها بالضرر فيناديك قلبها الحنون وهو معفّر: (ولدي حبيبي هل أصابك من ضرر؟!)، إنهن الأمهات! قلوبهن من روائع وعجائب المخلوقات!.


فكَمْ مرَّةٍ جاعَتْ وأعطَتْكَ قُوتَهَا *** حُنُوًّا وإشفاقًا وأنْتَ صَغِيـرُ
فضَيَّعْتَهَـا لمــّـا أسأْتَ جهالـةً *** وطال عليك الأمْرُ وهْوَ قَصِير


فاسمعوها يا شباب، وسارعوا قبل أن تُغلق الأبواب: إننا مدينون لأمهاتنا، ولن نذوق طعم السعادة في حياتنا؛ إلا حينما ننْحَني لنقّبلَ يَديها، ونسكب دُموعَ خُضوعنا على خديها، ونستجدي نظراتِ الرضا من عينيها.


فقط؛ حينها نشعر بالسعادة والرضا، ويكون التوفيق والنجاح، وندخل جنة الفلاح والارتياح، تنجلي همومنا، تنفرج كروبنا، تزول أتراحنا، فهل بعد هذا أحد يلومنا، إذا تأسينا أو حزنّا على أمهاتنا؟! وأي عاقل لا يبكي وقد أغلق عنه بابان: باب من أبواب الجنة، وباب من أبواب الجهاد؟!.


فلَّما مَاتَتْ أَمُّ الْقَاضِيْ إِيَاسٍ بَكَى، فَقِيْلَ: مَا يُبْكِيْكَ يَا أَبَا وَاثِلَةَ؟ قَالَ: كَانَ لِي بَابَانِ مَفْتُوْحَانِ مِنَ الْجَنَّةِ فَأُغْلِقَ أَحَدُهُمَا.


وأما باب الجهاد فقد رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ -رضي الله عنه- قَالَ: أَتَى رَجُلٌ الْنَّبِي-صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: إِنِّي أَشْتَهِي الْجِهَادَ، وَإِنِّي لَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ. قَالَ: "هَلْ بَقِيَ أَحَدٌ مِنَ وَالِدَيْكَ؟"، قَالَ: أُمِّي، قَالَ "فَأَبْلِ اللهَ عُذْرَاً فِيْ بِرِّهَا؛ فَإِنَّكِ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ فَأَنْتَ حَاجٌّ وَمُعْتَمِرٌ وَمُجَاهِدٌ إِذَا رَضِيَتْ عَنْكَ أُمُّكَ، فَاتَّقِ اللهَ فِيْ بِرِّهَا" رواه الطبرانيُ وحسَّنَهُ الْعِرَاقِي.


فاتقوا الله يا شباب، اتقوا الله يا فتيات، اتقوا الله في أمهاتكم وآبائكم، وعجلوا قبل أن تحين لحظات الفراق، تمرغوا في سعادة البر والصلة لهما، والخدمة لهما، إنها سعادة الدنيا والله، إنها بوابة الجنة، فلا تفوتكم عباد الله.


كَانَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ بِرَّ الْأُمِّ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ، وَقَالَ: "إنِّيْ لَا أَعْلَمُ عَمَلَاً أَقْرَب إِلَى الله -عَزَّ وَجَلَّ- مِنْ بِرِّ الْوَالِدَةِ". وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْسَّلَفِ.


وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- لِرَجُلٍ عِنْدَهُ أُمُّهُ: "وَالله لَوْ أَلنْتَ لَهَا الْكَلَامَ، وَأَطْعَمْتَهَا الْطَّعَامَ، لَتَدْخُلنَّ الْجَنَّةَ مَا اجْتَنَبْتَ الْكَبَائِرَ". وقال الإمام أحمد: "بر الوالدين كفارة الكبائر". فآهٍ للموت! كيف أغلق وأوصد أبواب الخير هذه؟!
ولو أنَّ هذا الموتَ يقبلُ فِديةً *** فديناهُ أموالاً كِرَاماً وأنفساً


إي والله! لو كان يقبل فديةً لفديت أمي بنفسي وروحي، فآهٍ! ما أضعف الإنسان! ما أوهن حبله! ما أشد غفلته عن النعم التي يتقلب فيها!.


إي والله! وجود الأبوين أو أحدهما نعمة من أعظم النعم عند العبد، نعمة من أعظم النعم يا شباب، نعمة من أعظم النعم يا فتيات، نعمة وجود الوالدين نعمة عظيمة، كم من النعم لا ندرك قدرها إلا عند فقدها! فاسمعوها يا شباب، وسارعوا قبل أن تُغلق الأبواب.


إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا، وإنا على الفراق لمحزونون، فإنا لله وإنا إليه راجعون.


قيثارتِي مُلِئَتْ بأنَّاتِ الْجَوَى *** لَا بُدَّ للمَكْبُوتِ مِنْ فَيَضَــانِ
صعِدَتْ إلى شفتي خواطرُ مُهْجَتِي *** ليُبينَ عنها مَنْطِقِي ولِسَـاني
أنا ما تعدَّيْتُ القناعـةَ والرِّضَا *** لكنَّهَا هي قِصَّةُ الأشجـان
يشكو لك اللهمّ قلـبٌ لم يعِشْ *** إلا لحَمْدِ عُلاكَ في الأكـوان


فالحمد لله على جنة الرضا، الحمد لله على نعمة الإيمان، الحمد لله على نعمة اليقين والصبر، والحمد لله على نعمة الإيمان التي تجري بعروق الإنسان، لتمتص الآلام والأحزان.


فالحمد لله، ورضينا بقضاء الله خيره وشره، وحلوه ومره، فـ "مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا آجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ، وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا".


فاللَّهُمَّ أْجُرْنَا فِي مُصِيبَتنا وَأَخْلِفْ لنا خَيْرًا مِنْهَا!


أَبِيْتُ عَلَى الذِّكْرَىْ وَأَصْحُوْ بِمِثْلِهَا *** وَإنْ نِمتُ لَمْ يَبْرَحْ خَيَاْلُكِ زَائِرِيْ


أُحِبُّكِ يا أُمِّيْ على الْقُرْبِ والْبُعْدِ *** أُحِبُّكِ يا أُمِّيْ وَلَوْ كُنْتُ في الَّلحْدِ
أُحبُّكِ حُبّاً لَو مَزَجْتُ رَحِيْقَهُ *** بِبَحْرٍ لَصَاْرَ الْبَحْرُ أَحْلَىْ مِن الشَّهْدِ
أُحِبُّكِ حُباً لَو سَقَيْتُ بِمَاْئِهِ *** فَيَاْفِيَ نَجْدٍ أَوْرَقَ الشِّيْحُ فِيْ نَجْدِ
أُحبّكِ حُباً فَاْقَ حُب أَحِبَّتِيْ *** فَلَيْسَ لِحُبِّ الأُمِّ فِي الْقَلْبِ مِنْ نِدِّ
سَلامٌ عَلَى الدُّنْيَا تَنَاْثَرَ عِقْدُهَا *** وَقَدْ كُنْتِ يَا أُمَّاهُ وَاسِطَةَ الْعِقْدِ


كيف لا أحب أمي؟! كيف لا أحب أبي؟! كيف لا تحبون أمهاتكم أو آباءكم والنبي-صلى الله عليه وسلم- يقول: "رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِدِ".


ويقول-صلى الله عليه وسلم- أيضاً: "رَغِمَ أَنْفُهُ! ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ! ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ!". قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا ثُمَّ لَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ" رواه مسلم وأحمد.


كيف لا أحب أمي ، وأحب أبي ، كيف لا تحبون أمهاتكم أو آباءكم ونحن نقرأ ويتكرر على مسمعنا قول الله: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) [الإسراء:24]. رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا .


وأخيرًا عباد الله: فالموت ليست نهاية البر، كم ولد صالح زاد حبه وتضاعف بره بأبويه بعد الموت، وكأنه يقول للموت: لن تُغلق الباب، وسأزداد من الأجر والثواب!.


فبعد الموت تبدأ قصة أخرى مع البر والصلة للأبوين؛ فقد رُوي عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ أبرُّهُمَا بِهِ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ: "نَعَمْ، الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا، وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِيفَاءٌ بِعُهُودِهِمَا مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا".


وروى مالك في الموطأ وابن ماجة والبخاري في الأدب المفرد بسند حسنه الألباني عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "تُرْفَعُ لِلْمَيِّتِ بَعْدَ مَوْتِهِ دَرَجَتُهُ. فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَيُّ شَيْءٍ هَذِهِ؟ فَيُقَالُ: وَلَدُكَ اسْتَغْفَرَ لَكَ". فاللهم نستغفرك لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارزقنا بر آبائنا وأمهاتنا أحياءً وأمواتًا.


أعتذر إخوة الإيمان؛ إنها أشجان ودروس الزمان، ليتذكر الغافل وينشط اليقظان، (سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى* وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى) [الأعلى:10-11].


إنها نفثة مصدور، وأنات مكروب، فما أحرى العاقل اللبيب بأن يُرهف سمعه لهمسات المكروبين، وأنات المحزونين! فهي عبر وعظات للباقين.


قالوا بعينِكَ عَبْرَةٌ *** قلتُ: الأسى دمعٌ ودمْ
قالوا بقلبك حُرقةٌ *** قلتُ: المواجع تضطرمْ
قالوا حروفُكَ لوعةٌ *** قلت: الصبابةُ والألـمْ
لا تسألوني فالجوابُ *** يزيدُ في قلبي الألـمْ


اللهم ارحم آباءنا وأمهاتنا، اللهم من كان منهم حياً فأطل عمره، وأصلح عمله، وارزقه الصحة والعافية، ومن كان منهم ميتاً فاغفر له وارحمه، وتولَّهُ برعايتك وعنايتك، فأنت مولاهم، وأنت الرحيم.


اللهم اغسلهم بالثلج والماء والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا، وارفع درجاتهم في عليين ، برحمتك يا أرحم الراحمين...

التعليقات : 0 تعليق

إضافة تعليق


 

/500

روابط ذات صلة

المادة السابق
الكسوف بين الأسباب المادية والشرعية
المواد المتشابهة المادة التالي
الكسب الطيب