جديد الموقع
تواصل معنا
Separator
التغريدات
Separator
ريا البشام
Separator
تطبيق زاد المسير
Separator
المادة
Separator

القبر

عناصر الخطبة 1/ الاستعداد ليوم الرحيل 2/ خروج الروح 3/ أحداث أول ليلة في القبر 4/ كفى بالموت واعظاً 5/ ما ينتفع به الميت 6/ من أسباب عذاب القبر


يا ليت شعري! كيف حالُنا أول ليلة في القبر؟ تلك الليلة التي بكى منها الأنبياء والعلماء، وتأثَّر الحكماء والبلغاء، وتأوه الشعراء والأدباء! كيف لا؛ وهي علامة السعادة أو الشقاء؟ فعن هانئ مولى عثمان -رضي الله عنه- قال: كان عثمان إذا وقف على قبر بكى حتى يبلَّ لحيته، فقيل له: تذكُر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكي مِن هذا؟! فقال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "القبر أول منازل الآخرة، فإن ينجُ منها فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشدّ منه"..

الحمد لله أبدا سرمدا، لا نشرك معه أحدا، تبارك فردا صمدا، وأشهد أن لا إله إلا الله لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولا شريكا ولا عضدا، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان أبدا.


أما بعد:


عبدا الله: فحديثنا اليوم عن ليلة من ليالي العمر، ليلة عجيبة، أحداثها غريبة، ننتقل فيها إلى حياة جديدة، عن ليلة عرفتموها؟ لا تظنوها ليلة الزواج السعيدة؟ بل هي في دار جديدة! إنها دار البرزخ! أتراك نسيتها؟.


نعم أخي! فلكل منا دور ثلاث، لا بد أن يمر بها: دار الدنيا، وهي دار عمل وتكليف، وها أنت في صخبها وضجيجها، وشهواتها وزخارفها؛ ودار البرزخ، وهي التي بين الموت والبعث؛ قال تعالى (وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [المؤمنون:100]؛ والدار الآخرة، وهي دار جزاء وقرار، فريق في الجنة وفريق في السعير.


إذا؛ فلعلك عرفت تلك الليلة؟ إنها أول ليلة لك في القبر، أتدري ما القبر؟ إنه أول منازل الآخرة، الواعظ الصامت، لا يتكلم، لكن منظره يصرخ في أعماق كل الناس: هل رأيتني؟ هل رأيت عمقي وضيقي؟ هل رأيت ظلمتي ووحشتي؟ هل رأيت منظرا أفزع مني؟ لماذا تهرب عني؟ لا بد لك مني؟ اسمع لقول الرسول الكريم عني: "ما رأيت منظرا قطُّ إلا والقبر أفظع منه".


إنه أمر عظيم مهول تطيش له العقول، اسمع للرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو يقول -وقد جلس على شفير قبر، فبكى حتى بل الثرى من دموعه-: "أي إخواني، لمثل هذا فأعدوا".


صلى الله وسلم على رسول الله، فقد أمرنا بالاستعداد ليوم البعث والنشور؛ فماذا أعددنا؟ لقد عمرنا الدور والقصور، والحسابات التي تدور، وكل سهل ميسور، لكن هل سينفع ذلك في القبور؟ "يتبع الميت ثلاثة، فيرجع اثنان ويبقى معه واحد، يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله" هكذا يقول الرسول، فماذا تقول؟ أين العقول؟ تذكَّرْ أخي آخر ليلة لك في الدنيا، وأنت مع أهلك وأولادك سعيد، وفي صحة وعيش رغيد، ثم هي ساعات، فإذا أنت في القبر وحيد.


فارقتُ موضِع مرقدي *** يوماً ففارقني السكونُ
القبرُ أولُ ليلةٍ *** بالله قل لي ما يكون؟


يا ليت شعري! كيف حالنا أول ليلة في القبر، تلك الليلة التي بكى منها الأنبياء والعلماء، وتأثر الحكماء والبلغاء، وتأوه الشعراء والأدباء! كيف لا؛ وهي علامة السعادة أو الشقاء؟ فعن هانئ مولى عثمان -رضي الله عنه- قال: كان عثمان إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكي من هذا؟! فقال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "القبر أول منازل الآخرة، فإن ينج منها فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه".


إذا؛ فقد تسعد -أيها المؤمن- في القبر؛ فتكون روحك في الجنة تسرح حيث شاءت؛ جزاء لإيمانك الصادق، واستقامتك، وثباتك، وإخلاصك؛ وقد تكون روح الكافر والفاجر في شقاء وعذاب لكفره أو فجوره وانحرافه.


يا مَن بدنياه اشتغلْ *** وغرَّهُ طولُ الأمَلْ
الموت يأتي بغتةً *** والقبر صندوق العمل


يا ليت شعري، كيف حالنا في القبور؟ كيف حالنا إذا أهيل علينا التراب، وانصرف عنا الأهل والأحباب؟ عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولمــــَّا يُلحَد، فجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجلسنا حوله، وكأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت في الأرض، فرفع رأسه فقال: "استعيذوا بالله من عذاب القبر" مرتين أو ثلاثا.


ثم قال: "إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال إلى الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيئ ملك الموت -عليه السلام- حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة! اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض".


قال: "فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهى به إلى السماء السابعة، فيقول الله -عز وجل-: اكتبوا كتاب عبدي في علِّيِّين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى".


قال:" فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: مَن ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، ويقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فينادى مناد في السماء أنْ صدَق عبدي، فأفْرِشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة".


قال:" فيأتيه من رَوحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، قال: ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح، فيقول: أبشِرْ بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: مَن أنت فوجهك الوجه يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: ربِّ أقِم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي".


قال:" وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع إلى الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفّود من الصوف المبلول، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض.


فيصعدون بها فلا يمرون بها على من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهى به إلى السماء الدنيا، فيستفتح له فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ) [الأعراف:40] فيقول الله -عز وجل-: اكتبوا كتابه في سِجِّين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحا، ثم قرأ: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيق) [الحج:31].


فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه! لا أدري! فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه! لا أدري! فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه! لا أدري! فينادي منادٍ من السماء أنه كذَب، فافرشوا له من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حَرِّها وسَمومها، ويُضَيَّقُ عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه.


ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد! فيقول: مَن أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر! فيقول: أنا عملك الخبيث. فيقول: رب لا تقم الساعة!".


وفي لفظ: " ثم يقيض له أعمى أصم أبكم، في يده مرزبة لو ضرب بها جبل كان ترابا، فيضربه ضربة حتى يصير ترابا، ثم يعيده الله كما كان فيضربه ضربه أخرى فيصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين، ثم يقال: افرشوا له لوحين من نار، وافتحوا له بابا إلى النار".


وعند الترمذي من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "إذا قُبر الميت أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المــُنْكَرُ، والآخر: النَّكِير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فقول ما كان يقول: هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين، ثم ينور له فيه، ثم يقال له: نم فيقول: ارجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحبُّ أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك.


وإن كان منافقا قال: سمعت الناس يقولون فقلت مثلهم. لا أدري! فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض: التئمي عليه، فتلتئم عليه فتختلف فيها أضلاعه، فلا يزال فيها معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك".


عباد الله: هذه هي أحداث تلك الليلة العظيمة، المفزعة الفظيعة.


أيها القبر: تالله لقد وعظتَ فما تركتَ لواعظ مقالا، بالله سَل أحبابنا الذين مضوا: كيف حالهم؟ ماذا فعل للغنيِّ غناه؟ وماذا قدم الجاه لأهل الجاه؟ سلهم عن الألسن التي كانوا بها يتكلمون يغتابون، ويلعنون؛ سلهم عن الأعين التي كانوا به ينظرون، ويشتهون، ويتلذذون؛ سلهم عن الآذان التي كانوا بها يسمعون، ويطربون، وينصتون، سلهم عن الأرجل التي كانوا بها يمشون، ويرقصون، ويلعبون؛ سلهم عن الأيدي التي كانوا بها يبطشون، ويسرقون، ويظلمون؛ سلهم عن الأجساد التي كانوا بها يتنعمون ويترفون، ويزنون؛ سلهم عن الوجوه التي كانوا بها يتجملون، يفخرون، يبتسمون.


كأني بك أيها القبر تقول: أما الوجوه الحسان، فأكلها الديدان، وخرجت الحدقتان، وتقلصت الشفتان، وعلا الصديد الأكفان، دود وأنتان.


تالله اسألهم أيها القبر: أهم منعمون آمنون؟ أم هم معذبون يصرخون؟ أيها القبر، قل للأحياء: إنكم ميتون، فهم السابقون، وأنتم بهم لاحقون، أفلا تعتبرون، أفلا تذكرون؟ أفلا تعقلون؟.


إلى كم ذا التراخي والتمادي *** وحادِي الموت بالأرواح حادي؟
فلو كنا جمادا لاتَّعَظْنا *** ولكنَّا أشدُّ من الجماد
تنادينا المنية كل وقت *** وما نُصْغِي إلى قول المنادي
وأنفاس النفوس إلى انتقاص *** ولكن الذنوب إلى ازدياد
إذا ما الزرع قارنه اصفرار *** فليس دواؤه غير الحصاد


اللهم إنا نعوذ بك من عذاب القبر، ومن فتنة القبر، برحمتك يا أرحم الراحمين.


أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:


الحمد الله الذي خلق آدم من تراب، والصلاة والسلام على من أنار الله به البصائر والألباب، وعلى آله وصحبه ومن سار نهجه واتبع هداه إلى يوم الموعد والمآب.


أما بعد: إخوة الإيمان، قال أحد الأدباء: كنت أقف على رصيف أحد شوارع الرياض الكبرى، وكان الوقت ليلا، والأضواء تجعل من جنبات الشارع مهرجانا للضوء، يبتدئ مع بداية الظلام،ـ وتركزت عيناي على الحائط المقابل، وأخذت أتأمل ما فيه من لوحات الدعاية والإعلان التجاري بأشكال فنية مختلفة، والملصقات تبهر العين بتعدد ألوانها الجميلة، كل ما على الحائط يدل على الحياة التجارية، والحركة المادية النشطة، إعلانات ودعايات، عن أصناف الكماليات، التي تزيد من راحة الإنسان.


حتى حركة الشارع توحي بمدى سعي الإنسان الدائب، السيارات تنهب الطريق، والمارة يغدون ويروحون، وبأيديهم أصناف مما ابتاعوه من الأسواق، قد استغرقْتُ حينها في تفكير عميق، وأنا أتأمل حياة الإنسان، وسعيه وكدحه من أجل قمة العيش، ولا أدري كيف عادت عيناي إلى الحائط المقابل، أتأمل ما عليه من ملصقات الدعاية، ثم أحسست حينها برعشة تسري في جسدي، وسؤال يبرز أمامي، يتحدى صمتي، وحيرتي، أتدري ما وراء هذا الحائط؟!.


وتحولَتْ كل معالم الحياة التي أراها أمامي إلى أشباح أو ما يشبه الأشباح، ورجعت عن مكاني قليلا لأتكئ على مقدمة سيارة فارهة كانت ورائي، وشعرت أن تلك الرعشة قد تحولت إلى دمعة نجحت عيني في إخفائها، ولكن تلك الدمعة تحولت إلى غصة في الحلق، وبرز السؤال مرة أخرى، أتدري ما وراء هذا الحائط المقابل؟ وأحسست أنني أقول نعم؛ لأنني أعرف مِن قبلُ أن هذا الحائط يحيط بمقبرة قديمة؟ مقبرة؟! نعم! إنه حائط يفصل بين بشر قد سكنوا فهم في قبورهم هامدون، وبين بشر يتحركون، يغدون ويروحون.


حائط فقط يحول بين الأموات والأحياء، من هنا حركة دائبة وملصقات تجارية، وبيع وشراء، وصدق هنا وكذب، وأمانة وخيانة، إلى غير ذلك من أشكال التعامل بين البشر؛ أما من هناك، فالقبور بدل القصور، والأموات بدل الأحياء، والأعمال بدل الأموال، هناك التمحيص والسؤال، هنا مرحلة الحصاد.


ألم أقل لكم إن مرحلة الغفلة طويلة في حياتنا؟ ألم أقل لكم: إننا نبذل للحياة الفانية أضعاف ما نبذله للباقية؟ عندها أحسست إحساسا عميقا بغفلتي، كم من مرة أقف فيها أمام ذلك الحائط أقرا ما عليه من الملصقات، وتصرفني غفلتي عن قراءة ما وراءه من العبر والعظات، عفوا، أخي الكريم لست راهبا ولا متزاهدا، ولكني إنسان مسلم شعر في تلك اللحظة بمدى انصرافه في خضم الحياة المعاصرة عن ذلك الصمت المطبق وراء ذلك الحائط المملوء بالملصقات. اهـ.


نعم إخوة الإيمان، هذه هي دارنا الثانية، تلك الدار التي لا يفصل بيننا وبينها سوى جدار، نحمل إليها موتانا كل يوم؟ فهل فكرنا فيها؟ وهل أعددنا لها العدة؟ سبحان الله! لقد تعلقنا بالدنيا حتى ظننا أنا لا نموت، وغفلنا أن الكبيرة والصغيرة لا تفوت، وأننا سنقف بين يدي ذي العزة والجبروت، كأني بأصحاب القبور تقول: أليس فينا معتبر؟ أليس في تقدمنا لكم نظر، أما لكم في انقطاع أعمالنا فكر، ها أنتم في مهل، فهل تستدركون ما فات، هل؟.


كفى يا نفس ما كانا *** كفاك هوى وعصيانا
كفاك ففي الحشا صوتٌ *** من الإشفاق نادانا
أما آن المآب؟ بلى *** بلى يا نفس قد آنا
خطوت خطاك مخطئة *** فسرت الدرب حيرانا
فؤادي يشتكي ذنبي *** ويشكو منك ما كانا
أعيدي للحمى قلبي *** وعودي... عودي الآنا
تجاذبني هوى وهدى *** وقلبي بعدُ ما لانا
كأني ما سمعت وما ***رأيت الهدْيَ إذ بانا
كأني صخرة فمتى ***يلين الصخر إيمانا؟
ظننت سعادتي لهوا *** يزيح الهمَّ سلوانا
فلم أزدد سوى همٍّ *** ولو أضحكت أحيانا
يسافر بالهوى قلبي *** لدور اللهو نشوانا
فتوقفه محطات *** تهز عراه إيمانا
ألا فارجع وأرجع ما*** مضى بالقرب أزمانا
سياط التوب تزجرني *** فأحني الرأس إذعانا
وأطرق والحشا يغلي *** بما أسرفت نيرانا
أصيح بتوبتي ندما *** كفى يا نفس ما كانا


عباد الله: الموت الموت، ليس منه فوت، فالنجاةَ النجاةَ! زوروا القبور؛ فإنها تذكركم الآخرة، وفي زيارتها عبرة وعظة وتذكرة، ترقق القلوب، وتدفع الغفلة، تزهد في الدنيا، وتورث الخشية، قال ابن القيم -رحمه الله-: أكثر أهل القبور معذبون، والفائز قليل، فظواهر القبور تراب، وبواطنها حسرات وعذاب.


واعلموا أن مما ينجي من عذاب القبر: أولا: تجريد التوحيد لله، والإكثار من الأعمال الصالحة، والرباط في سبيل الله، والشهادة في سبيل الله، والموت بداء البطن، وقراءة سورة تبارك، والموت يوم الجمعة.


واعلموا أن الميت ينتفع من عمل غيره بأمور منها: الدعاء إذا توافرت فيه شروط القبول، وقضاء الدَّيْن عنه، وقضاء صوم النذر عنه، وما يفعله الولد الصالح من الأعمال الصالحة، فإن لوالديه مثل أجره، وينتفع الميت بما خلفه من آثار صالحة؛ كعلم نافع، أو صدقات جارية، كل هذا مما ورد في الأحاديث الصحيحة والمقبولة.


ومما ورد أيضا أن من أساب عذاب القبر: الشرك بالله، والنفاق، وعدم الاستبراء من البول، والمشي بين الناس بالنميمة، والغيبة، وأذى الناس باللسان، فاجتنبوا هذه الأسباب، وعلموا أولادكم وأزواجكم هذه الأحكام والآداب، فكثير منهم لا يعرف شيئا عن دار البرزخ، وله أثر كبير على القلوب، وترك الذنوب، وخشية علام الغيوب.


وأخيرا: استعيذوا بالله من عذاب القبر دبر كل صلاة، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال".


اللهم وفقنا للاستعداد ليوم الدين، ولا تجعلنا من النادمين، واجعل قبورنا بعد فراق الدنيا خير منازلنا، واجعلها من رياض الجنة، وقنا عذاب القبر وفتنته، ووحشته وضمته، وأهواله وظلمته.


اللهم ارحم موتى المسلمين، واكتبهم عندك في المحسنين، وارفع درجتهم في عليين.


اللهم اغفر سيئاتهم، وأعذهم من عذاب القبر، واجمع لهم برحمتك الأمن من عذابك، ولا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم، برحمتك يا أرحم الراحمين.

روابط ذات صلة
Separator
المادة السابق
القصير آلام وآمال
المواد المتشابهة المادة التالي
القبر
جميع الحقوق محفوظة لموقع زاد المسير